إياد أبو عوض - 16/02/2010م - 1:36 ص | مرات القراءة: 348


في مجتمعاتنا توجد العديد من المشكلات و الصعاب التي يجب أن نفكر جميعاً في سبل حلها و تجاوزها...

و لكن المشكلة الحقيقية التي أدت الى توالد مشكلات و مصاعب أخرى هي واحدة و علينا الوصول الى تحديدها و من ثم إيجاد الحل المناسب لها.

          إن أهم ما يجب أن نفكر فيه هو تطوير مجتمعاتنا و إخراجها من خلف الأسوار التي بُنيت حول عقول أفرادها على مدى قرون خلت دون السماح لأي فرد بالخروج منها حتى و إن حاول.

         العادات و الأفكار و مصادر المعرفة؛ يجب أن نعمل على إزالة البائد و الضار منها و استبداله بما يتماشى مع ما وصل إليه العرق البشري بعد آلاف السنين من الحضارة و العلم و المعرفة و التطور.

          من هذا المنطلق علينا أن نحدد بدقة النقاط التي يجب أن نعمل عليها لتحسينها أو لتطويرها أو لإزالتها – إذا اقتضت الحاجة -... علينا كبداية أن نحدد أن ما يميز مجتمعاً عن آخر هو مستواه العلمي و الحضاري و الفكري... و ليس كما يعتقد البعض بأن الميزة هي المصادر الطبيعية و المستوى الإقتصادي ؛ مع عدم إغفال حقيقة أن هاذين العاملين سيكونان من العوامل المساعدة ليس أكثر.

      أعتقد أن هذه البداية في الحديث ضرورية بل فائقة الأهمية من أجل تحديد مسار هذا البحث و الوصول الى نتائج.

         عند الحديث عن مصادر المعرفة علينا أن نفرق بين ما هو علمي و منطقي و بين ما هو متوارث دون وضعه تحت الدراسة و النقاش... لا يجب أن تكون هناك أمورٌ فوق مستوى البحث و الدراسة، لا توجد مناطق محظورة أو خطوط حمراء... و إذا كانت بالفعل موجودة بحكم واقع مجتمع معين، فعلينا أن نحدد بشكل واضح مصدر هذا الحظر؛ من أين جاء؟ من وضعه؟ و هل يستحق المصدر أو الشخص الذي وضعه أن تكون له هذه السلطة على فكر و حياة أفراد المجتمع و... لماذا؟

ما أتحدث عنه هنا هو ما يخص المعرفة و الثقافـة.

إن أخطر ما يمكن أن يصيب أفراد أي مجتمع هو قبولهم لأفكار و آراء و حقائق دون دراسة أو تفكير أو تدقيق بمحتوى الفكرة أو الرأي أو الحقيقة (أو ما يُقدّم على أنه حقيقة).

        ما الذي يؤدي الى تكوين مجتمعات سلبية الفكر؟    السبب هو غياب فكر المعرفة... فكر المعرفة هو الأساس الذي يؤدي الى خلق مجتمعات قادرة على التحليل و الدراسة و الإبداع دون جمود.

لكن ما هو فكر المعرفة؟

المقصود بفكر المعرفة هو وجود الرغبة في زيادة علوم الانسان و توسيع مداركه في حقول مختلفة دون حد هذه العلوم و المدارك بآراء مسبقة تمنعه من الخوض في أمورٍ بعينها دون سبب أو أسبابٍ منطقية.

         فكر المعرفة، عند توافره لدى أفراد أي مجتمع، سيكون الأداة التي ستمكنهم من التطور و هو الذي سيجعلهم قادرين على دراسة ظروفهم و بيئاتهم و تحليل الحقائق المحيطة بهم و الوصول الى إبداعات جديدة في شكل حلول عملية و في شكل مدارس فكرية ثقافية مبدعة و منتجة فيما فيه خير الجميع... الإبداع العقلي و الثقافي لا يجب أن يكون محدوداً بالجماليات اللغوية و الأشعار و الروايات و غيرها من أشكال الفن غير المنتج بالمعنى المادي، الإبداع الذي يثري المجتمعات هو الإبداع العلمي المادي أو، بكلماتٍ أخرى، هو الناتج الذي يمكن لبقية أفراد المجتمع أن يحسوه و أن يشعروا بالفرق الايجابي المباشر على حياتهم اليومية عند تحقيقه... و هذا الإبداع يمكن الوصول إليه بتنمية المعارف العلمية و العملية في مجتمعاتنا... و سوف نرى أنه عند الوصول الى مجتمع فكر المعرفة فإنه سيصبح من الطبيعي ولادة مراكز علمية و مراكز ثقافية و مراكز أبحاث في المجتمع بأيدي أفراد المجتمع أنفسهم... و بشكلٍ طوعي؛ لأن الجميع سيرغبون في المشاركة في نجاحات المجتمع.

الوصول الى مجتمع فكر المعرفة

من أجل تحقيق هذه الرؤية الخاصة بإنشاء مجتمعٍ مثقفٍ، مدركٍ  و واع ٍ فعلينا أن نبدأ بإستثمار عامل الزمن من الآن و دون تأخير.

       هل يمكننا إنشاء المجتمع الذي نطمح في العيش فيه و به بمجرد اقتراح بضعة أفكار و العمل على تطبيقها لفترة زمنية محدودة و انتظار النتائج أو بوادر هذه النتائج؟

      الإجابة هي: "بالطبع لا"... فالخطوات التي سيتم طرحها في هذا البحث يجب أن يتم العمل على خلق البيئة المناسبة لوضعها و تطبيقها...الخطوات التي سأتحدث عنها هي عمليات تحتاج الى رعاية مكثفة و زمن يمتد لسنوات من أجل الوصول الى حالة نضج تكفل إنجاح كل خطوة و من ثم إنجاح العملية بأسرها.

        ما سأقوم بطرحه في هذا البحث هو - بالدرجة الأولى- مسؤولية الأفراد و ليس مسؤولية الحكومات... العمل الذي يجب أن ننجزه يجب أن يكون عملاً نطبقه نحن كلٌ في دائرة حياته و أسرته... المطلوب هو الانجاز على مستوى الأفراد الراغبين في التطور أولاً و في تطوير مجتمعاتهم ثانياً.

أولاً: تغيير مفهوم التعليم؛ بمعنى أن لا يصبح التعليم (كما هو سائد في العديد من مجتمعاتنا الآن) محصوراً بالمدرسة و الجامعة و إنما تصبح فكرة احتضان و دعم التعليم الذاتي موجودة في كل أسرة و في كل بيت... غاية المدرسة أو الجامعة هي توفير حد معين من المعلومات الخاصة بمجالات محددة و لكن عند غياب الدعم الذاتي نحو التثقف و العلم، فإن عمل المؤسسات التعليمية التقليدية لن يؤدي الى إنتاج أي ُمبدع أو مُنتج بالمفهوم العلمي... فكل ما سينتج عنه هو شخص مدرب قادر على أداء مهمة ما (بغض النظر عن مستوى إتقانه لهذه المهمة) دون امتلاكه القدرة على تطوير أداءه أو إبتداع أفكار جديدة لتحسين هذا الأداء... و غني عن القول أن ناتج العملية التقليدية للتعليم لن يكون ذا كم من المعلومات و الحقائق في مجالات أخرى غير تلك التي قُدمت للشخص خلال فترة الدراسة التقليدية و لن يكون هذا الكم كافياً لاعطاءه القدرة على فهم و تحليل أمور خارجة عن نطاق ما تعلمه خصوصاً تلك الأمور التي تخص المجتمع الذي يعيش فيه و الذي – كما نفهم مصطلح الثقافة – يجب أن تكون مبنية على أساسه غاية المثقف؛ و هي دراسة و تحليل عوامل بيئته (أو بيئات أخرى) و القدرة على التدخل في مسارات هذه العوامل و بالتالي تغييرها - عند الحاجة- إذا   كان ذلك في صالح المجتمع.

        فالخطوة الأولى هي في تغيير كيفية تعامل الأسرة مع فكرة التعليم و ذلك لتدعيم فكر المعرفة لدى أبنائنا... أن يعمل كل فرد على تشجيع و رعاية الفضول الموجود بحكم الطبيعة في عقل كل طفل؛ تشجيع هذا الفضول يتم بالإجابة على تساؤلاته، حضه على البحث، عدم وضع العراقيل أمام أفكاره و أسئلته و تقديم الدعم اللازم له  للوصول الى الردود التي يسعى ورائها... الدعم المطلوب هو الدعم المعنوي و المادي... فحث الطفل على المعرفة و القراءة و الاطلاع و حب العلم سيكون له عظيم الأثر في عملية نموه و أسلوب تفكيره و طريقة نظره الى الأمور و تطوير قدرته على التحليل و الدراسة و الفهم للعوامل المحيطة به.

      كل أسرة في عالمنا العربي يجب أن تغير حساباتها، فليس المطلوب فقط هو توفير الملبس و المأكل و تكاليف الدراسة؛ و إنما في تخصيص الجهد من جانب و المبلغ البسيط المطلوب من جانبٍ آخر... الجهد يجب أن يُبذل من أجل زرع حب المعرفة و الاطلاع لدى أبناء الأسرة... و المبلغ البسيط الكافي لتزويدهم بأدوات هذه المعرفة... أياً كانت هذه الأدوات.

ثانياً: توفير أدوات المعرفة؛ هذه الخطوة لا تقل أهمية عن سابقتها... فالمطلوب هنا عمل ضخم... فكرتي هنا ليست جديدة؛ و إنما فكرة العمل على تطبيقها في عالمنا العربي و طريقة التطبيق هي الجديدة... الفكرة تم تطبيقها بالفعل فيما يسمى بمشروع جوتنبرج (http://gutenberg.net -  The project Gutenberg)... هذا المشروع هو بالفعل عمل جماعي رائع، متكامل و مستمريعمل على إبقاءه فاعلا ً و دائماً القائمون على المشروع مع عدد كبير من المتطوعين الراغبين في الوصول الى نفس الاهداف التي ندعو إليها... بدأ مشروع جوتنبرج منذ فترة ليست بالطويلة على نشر الأعمال العلمية و الفكرية و الفلسفية و الدينية و الفنية التي تحول محتواها الى ملكية عامة ( أي غير قاصرة – من الناحية القانونية – على مؤلف أو دار نشر أو مكتبة أو غيرها) بشكل إليكتروني على موقعهم على الإنترنت... فكل من يرغب في قراءة أعمال آينشتين أو فولتير أو شيكسبير، عليه أن يقوم بتنزيل الكتاب بكامله على جهازه و قراءته إما من على الشاشة أو مطبوعاً.

        ما أدعو إليه هنا هو القيام بتطبيق نفس الفكرة على منتجات علمائنا و مفكرينا و أدبائنا و نقلها بعمل مشترك تشرف عليه المؤسسات المعنية و يساهم بتطبيقه متطوعاً كل فرد قادر على تحويل محتويات الكتب المطبوعة الى محتوى إليكتروني يتم توفيره للجميع عن طريق موقع على الإنترنت دون مردود مادي... يمكننا أيضاً الاستفادة من المشروع المذكور (جوتنبرج) بتوفير الكتب العالمية المعروضة على موقعه الإليكتروني مترجمة الى اللغة العربية على الموقع الذي سيتم إنشاؤه لنفس الغرض الذي تحدثت عنه.

          عند تمكننا من تحويل عددٍ كافٍ من الأعمال (سواء العربية أو المترجمة) و وضعها على الموقع الإليكتروني، يمكننا البدء بحملة على مستوى الدول العربية من أجل توفير محتويات هذه الكتب في كل مدرسة و في كل جامعة يتم تقديمها لكل طالب راغب في القراءة و المعرفة.

          المشكلات الواجب التفكير في إيجاد حلول لها لا يجب أن تكون فقط إقتصادية أو سياسية... علينا التركيز على إنشاء فكر المعرفة و معه – سنرى جميعاً – أن الحلول الخاصة ببقية المشكلات ستأتي بشكل تلقائي كنتيجة طبيعية


موقع ارميا الأدبي - www.armeea.com

التعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!