كان السياب يمزج شعره بتشخيص المحيط مستوحيا تشخيصه من كينونة وطبيعة المكان
فحبه *لجيكور تلك القرية العامرة بأشجار النخيل التي تظلل السهول النائمة الناعسة الدافئة وتردد فيها الحمائم ألحانها والعصافير غنائها مزجها شعرا بإيقاع بطيء ناعس متناغم وأسطوريا مستوحى.
فهو لم يسجل لنا فى الحقيقة صورة السياب كشاعر مأساوي رحل مع العوز والفقر والمرض والاحتراق والاختراق السياسي والثقافى الذى كان يعم بلاد العرب والمسلمين خلال الفترة الزمنية التى عاشها انذاك . بل هو وجد مبررا للحياة وجمال الطبيعه على رغم ظروف الرحله المكلفه ومحنته وعنائه الروحي و الجسدي
لم يخبرنا الشاعر السياب انه بدأ حزينا وانتهى بائسا , حاله حال الشعوب العربية التى كانت وماتزال تحت السيطرة والاستعمار وتباع فى اسواق الخسة العالمية والاستسلام وخدع الاستيطان وسيطرة العملاء. ولم يخبرنا عن العربية بابجديتها التى كانت تبحث عن متنبي وابا نؤاس.
ولم يخبرنا كذلك عن القوافي التى كانت تبحث عن اوزانها واعتباراتها فصاغ الشعر لها واوجد لها عما كان تبحث عنه. فشعره صياغة نظرية علمية أدبية فى عالم الادب وفنونه. تماثل معها انتقاء ذاتي أدبي وهاج ينتقل بالقارئ من وحى الى وحى اخر ليرسم صوره الذاتية بتأمل عميق وبمثابة ولاءات وصراعات وقد تمسك الشاعر السياب بعمق بحور الخليل الفراهيدي واوزانها وشيئ ما بقوافيها
وقد عالج بدر شاكر السياب الشاعر ثنائية المطر والحزن والأمل واليأس والحب والغريب برومانسية الطبيعه واجوائها الجملية بعد تشخيصه لكل الثنايا. حتى إنه رغم حبه لما يزيد على 20 فتاة. ينفي أن واحدة منهن قد أحبته او بادلته شعورالحب.
فسر مزج الشعر وتشخيص المحيط . ولد تجربة الشعر الحر والتى تشكلت كالجنين في جوفه لكن حمله بها كان طويلا وشاقا ومخاضه كان عسيرا وصعبا
فالسياب رمز من رموز الشعر العربي حين اخترع طريقا كبيرا ادبيا مصاغا متكاملا لكائن أدبي سمي بعده "القصيدة الحرة". فالشعر الحر وليد السياب والقصيدة الحرة كانت أول من كتبها السياب والتى كانت مفقودة تبحث عن متنبى اخر. وقد مزج السياب الشاعر سلسلة من الصور لتضيء المعاني المجازية للقصيدة الشفويه منها وآلسلوكية والتفاعل فيما بينهما
يقول الشاعر والناقد الإنجليزي أليوت "إن الشاعر العظيم يزعج قارئيه أكثر مما يهجيهم"
كتب عن سيابنا الشاعر ما يزيد على 400 كتابا وبحثا باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية والصربية , وكتب 37 عنوانا من أعماله شعرا ونثرا وترجمة. والف 55 كتـابا ومرجعا تتعلق بشعره وحياته وابداعه وفنه واحترافه
السؤال الذى يطرح نفسه: هل ينبغي على الكائن البشرى أن يعاني كي يفكر؟
رحل الشاعر الكبير بدر شاكر السياب يوم 24 كانون الأول عام 1964 تاركا خلفه إرثا شعريا جميلا متكاملا مصاغا بديعا .
ومن دواوينه:
1ـ "أزهار ذابلة"- القاهرة، صدر عام 1947.
2ـ "أساطير" -النجف 1950.
3ـ "إقبال"- بيروت 1965.
4ـ "أنشودة المطر"- بغداد 1960.
5ـ "شناشيل بنت الجلبي" 1965.
6ـ "المعبد الغريق"- بيروت 1962
أنشودة المطر
عيناكِ غابتا نخيلٍ ساعةَ السحر
أو شرفتانِ راحَ ينأى عنهُما القمر
عيناكِ حين تبسمانِ تُورقُ الكروم
وترقصُ الأضواءُ.. كالأقمارِ في نهر
يرجُّهُ المجذافُ وَهْناً ساعةَ السحر
·· كأنّما تنبُضُ في غوريهما النجوم
وتغرقان في ضبابٍ من أسىً شفيف
كالبحرِ سرَّحَ اليدينِ فوقَهُ المساء
دفءُ الشتاءِ فيه وارتعاشةُ الخريف
والموتُ والميلاد والظلامُ والضياء
فتستفيقُ ملء روحي، رعشةُ البكاء
ونشوةٌ وحشيةٌ تعانق السماء
كنشوةِ الطفلِ إذا خاف من القمر
كأنَّ أقواسَ السحابِ تشربُ الغيوم
وقطرةً فقطرةً تذوبُ في المطر
وكركرَ الأطفالُ في عرائش الكروم
ودغدغت صمتَ العصافيرِ على الشجر
أنشودةُ المطر
مطر
مطر
*جيكور قرية في محافظة البصرة جنوبي العراق مولد الشاعر