سنقصد بالنقطة تلك العلامة أو الرّمز الدّال على نهاية جملة ما، نهاية لغوية أو معنوية، وقد وضعت في اللغات السّامية لتعطي للنصّ بعدا صوتيّا وربّما تشكيليّا.
هي من أقدم علامات التشكيل ponctuation، إذ تعود إلى العصور القديمة ولم تكن وقتها تستخدم سوى للتفريق بين كلمة وأخرى أي أنها كانت تلعب مهمّة الفضاء الفاصل بين المفردات، بعد النقطة تمّ استنباط رموز أخرى كالفواصل ونقاط التعجّب والاستفهام وغيرها.
العرب في مقابل ذلك استعملوا السجع (في النثر) للانتقال من جملة إلى أخرى وكصنو لتلك النقطة ولم يستخدموا التنقيط أو التشكيل إلا في بداية العصر الإسلامي الذي هو للتفريق بين الحروف مثل 'الفاء' و'القاف' 'التّاء' و'الثّاء'، تحدّث ' القلقشندي' في كتابه 'صبح الأعشى' عن نوع من 'الحاجة إلى النقط' وفرّق بين نقاط مربّعة وأخرى دائريّة ويسمّى تنقيط الحروف 'إعجاما' أو 'شكلا' والكلمة مأخوذة من 'شكل الدّابّة' فهو نوع من القيد الذي نضعه حتى لا يفرّ المعنى كما تفرّ الدّابة، وهي بلا شكل، يقول هشام بن عبد الملك ' اشكلوا قرائن الأداب، لئلاّ تند على الصّواب' بل وتغنى البعض بهذا الأمر ذاهبا إلى تشبيه النقط بالثّمار في قول الشّاعر:
وكــأنّ أحرُفَ خَطِّهِ شجرٌ والشّكل في أغصانه ثمرٌ ليحاولوا بعدها خلق تنقيط خاصّ ومتماش مع طبيعة اللغة العربيّة يفصل بين المفرادات في الجمل والفقرات كالفاصلة المقلوبة والنقطة الفاصلة والاستفهام وكلّها تقلب عكس ما يستعمل في اللغات اللاتينيّة التي تكتب من الشمال إلى اليمين عكس العربيّة كما هو معلوم. يعرّف الجرجاني النقطة في كتابه 'التعريفات' على أنّها: ' نهاية الخطّ، ونهاية السّطح ونهاية الجسم التعليمي'. النقطة في الثقافة الإنسانية ثقيلة الرّموز ففي 'معجم الرّموز' لآلان غيربران وجون شوفالياي et Jean Chevalier Alain Gheerbrant يخصص لتلك الهامة الصّغيرة فقرة تقول: 'ترمزُ النقطة إلى الوضعية القصوى لتجريد الجسم، هي المركز، الأصل، المنتهى، هي مبدأ الانبعاث وختام العودة. النقطة إشارة إلى القوّة المبدعة لنهاية كلّ شيء'. يعني ذلك أنّنا إذا جرّدنا جسما من كلّ مكوناته وأبعاده فلا يبقى سوى تلك النّقطة الصّغيرة. فهل هي ما نضع آخر السّطر؟.
لا شكّ أنّ التنقيط لم يتزامن مع وضع رموز الكتابة بل جاء في مرحلة لاحقة وقد مثّل ما يشبه الأثاث المرفّه في سياق الكتابة. ولم يتّخذ شكله الحديث كما تذهب الأغلبيّة إلاّ في الحقبة المسمّاة بالنهضة الأوروبّية، يعني ذلك أنّ أشكالا قديمة لتلك النقطة وتلكم الفواصل وجدت منها ما يسمّى بالنّقطة المتكاملة أو الكاملة le point parfait الدّالة على نهاية الجملة وهي عبارة عن فاصلة مكتوبة بين نقطتين '.،.' وشبه النقطة sous- point(./) الدّالة على انقطاع بسيط وخاطف في الكلام، والنقطة المتوسّطة point moyen إلخ..
إذا ما اقتنعنا بالفرضيّة القائلة بأن اللغة انطلقت إشاريّة لتنتهي إلى ما هي عليه اليوم، وأنّ الكتابة لا تخلو من نوع من الشفويّة فهل التنقيطات تلك عدا رموز تحاول الحفاظ على تمشّ شفويّ للكلام المقروء خاصّة وأنّ لها تأثيرا على القراءة بصوت عال. لاحظ انخفاض الصّوت المتزامن مع النّقطة خاصّة والتوقّف المتراوح الطّول مع الفواصل والنقاط الفواصل. سنحتار أحيانا ونحن نفكّر في شأن تلك النقطة المرسومة نهاية كلّ جملة أو كلّ فقرة أو كلّ عمل مكتوب، هل هي من وضع القلم أو هي من وضع اللسان أو إذا لم تكن من الإثنين.
الخطّاط الأمير الصيني 'ونغ كشي' Wang Xizhi الذي يعتبره البعض أوّل خطّاط في التّاريخ (303 ـ 361م) يقول في قراءة بصريّة لورقة مكتوبة بالصيّنية (من الأعلى إلى الأسفل) وقد ورد ذلك في معجم الرّموز المذكور أعلاه ' كلّ خطّ أفقيّ هو بمثابة الغيم المتشكّل للتوّ على هيئة نساء محاربات، وكلّ قوس معقوف هو بمثابة قوس مرفوق بقوّة نادرة، كلّ نقطة هي بمثابة صخرة متدحرجة من قمّة عالية...'.
نستشفّ من كلّ هذا أنّ النقطة عريقة لذلك هي محمّلة بثقل رمزيّ غير هيّن، ولذلك أيضا أن كلّ اعتباطيّة في وضعها وخاصّة وضع النقاط الثلاثة المتلاحقة جزافا هو من قبيل عدم المعرفة بتلك النقطة، نورد فيما بعد أمثلة يبدو وعيها عميقا بالنقطة والتنقيط عموما، لكننا وجدنا أنه من الجدير الإشارة إلى أن نقاطا ثلاثاً تشيع في نصوص كتّابنا العرب خاصّة الشباب منهم وفي الشعر على وجه الخصوص في كتابة ما يسمى قصيدة النثر، ربّما لإيهام القارئ بأنّ كلاما محذوفا ومتّفقاً عليه أو يبقى في خلد الكاتب قد اسْتغنِي عن بتلك النقاط.
لكل عمل ابداعي مكتوب (ونقصد بالطبع العمل العظيم) نهاية قد يرمز إليها بنقطة نهائيّة لا كلام بعدها، لكن نفس تلك النقطة تبيح بداية لذلك العمل في أشكال أخرى من التواجد، فلنا رغم تلك النقطة أن نتخيل سطورا أخرى، أن نكتب عملا دراسيّا ونقديّا، أن نكتب جزءا ثانيا وثالثا لذاك العمل، فما النقطة في هذه الحالة سوى حالة من التوقف أو نوع من الحسم الذي التجأ إليه الكاتب ضمن حدود عمله، الحسم الذي لا يدوم طويلا.
حاول البعض أن يحدد وقت التوقف المتزامن مع تلك النقطة بخمس عشرة ثانية والتي قد تكون متوازية مع التنفس الانساني الذي لن يستطيع البقاء دون نفس في ماء السطور طويلا، ولا هو نوع من الأسماك المتنفسة في الكتابة. نعثر في حكاية ساخرة فرنسيّة على أنّ مكتبة تحتوي على كتاب مختلف اللون موضوع على حدة وأن كلّ من يدخل إلى ذاك المكان ويفتح ذاك الكتاب لا يمضي وقتا طويلا وهو يتصفّحه حتّى يسقط مغشيّا عليه، لتفشي لنا الحكاية في آخرها السرّ العجيب المضحك ألا وهو عدم احتواء ذلك الكتاب على نقطة واحدة.
قد يضع الكاتب نقطة اعتباطيّة، أو من ملل أو تعب أوحيرة أو قرار واع مثلما نجد على سبيل المثال في رواية ديدرو Diderot المعنونة بـ'جاك القدري (الجبري) ومعلّمه' Jacques le fataliste et son ma'tre أن الكاتب لكي ينهي كتابه يكتب'... وكان جاك ينام'، نهاية معنويّة لا حاجة لها بتلك النقطة إن شئنا.
بعض الكتّاب يجدون أنفسهم منهين عملهم بعبارة 'تمّت' أو 'انتهت' على شاكلة الأفلام السينمائيّة القديمة مثل سارتر في كتابه الشهير 'الغثيان' ترجمة سهيل إدريس الذي وإن بدت الرّواية مفتوحة وبلا نهاية في جملتها الأخيرة: 'المطر سيهطل غدا على بوفيل' هذه نهاية قصريّة مادّية لرواية تتناول يوميّات كاتب فيلسوف متفكّر في تفاصيل يوميّة بلا نهاية وأفكار بلا نهاية هي أيضا. سارتر المتحدّث عن النقطة كاستعارة للنهاية قائلا: 'إنّها هنا لامرئيّة وحاضرة، أنها هي ما يعطي بعض تلك الكلمات الأبّهة والقيمة العالية للبداية'.
إنّ أيّ عمل يتناول قضايا ما هو إلا عمل تقريبيّ فالخوض في الأفكار هو بمثابة الخوض في 'كم من حبّة قمح يلزم كي نكوّن كومة (قمح)' كما فكّر فرويد، فمتى يمكن أن نقول - ونحن على ثقة ممّا نقول - أن عملا كتابيّا انتهى؟ قد نستطيع القول أنّ الجملة انتهت لغويّا أو معنويّا فنضع نقطة دالّة على ذلك.
ومن جهة أخرى، ستُعدّ نهاية عمل شعريّ نوعاً من السّقطة أو الفشل في المواصلة أمّا النقطة فتصبح تجسيماً لذلك الفشل. لذلك عمد الشّاعر الفرنسيّ من أصل بولوني أبولينار (أوائل القرن العشرين) إلى حذف التنقيط بكلّ أنواعه من كتابه الشعريّ المعروف 'ألكول' Alcools ليؤسّس إلى نوع آخر من الإيقاع الشعريّ المنساب كحركة الماء المتواصلة، لم يرد أبولينار أن يضع روابط أخرى غير المفردة وكيف ترتبط بالمفردة الأخرى لغويّا ومعنويّا دون الحاجة إلى نقطة فاصلة أو نقطتين مفسّرتين أو علامة استفهام كدليل على السّؤال. كأنّ أبولينار أراد التخلّص نهائيّا من انشغال التنقيط والحيرة التي يخلّفها في النفس كما يقول بعض اللغويين الفرنسيّين 'هو يريد محو الحنين من قصائده' الألكولية، أمّا مارسيل بروستMarcel Proust (1871- 1922) الذي 'يرفض العودة إلى السطر' (في مقالة لليليتيا بيانشي) يكتب جملة لن تجد نقطتها إلا بعد ثماني صفحات.
'الفواصل، النقاط، الفواصل النقاط، أنا لا أفهم شيئا من ذلك كلّه لكن لا يهمّ، فلا وجود للفواصل في التلفاز' كما يقول الكاتب التلفزي السّاخر وهو إلى جانب أعمال أخرى من الذين شاركوا في كتابة 'أخبار القينيول' les Guignols de linfo الشهيرة. قال ذلك كثورة على النقطة وأخواتها التي رأى فيها البعض نوعا من التعسّف خاصة على النصّ الشعريّ. فهذا النصّ يحمل في طيّاته تنقيطا لا مرئيّا يختلف باختلاف القراءة والنفسيّة القارئة. الشّاعر وهو يكتب يشبه إلى حدّ بعيد ذاك المحاصر للكلام والملتحق بركبه الهارب لذلك قد تتزامن النقطة لديه مع انعدام للكلمة - إنّنا نقول ذلك افتراضا لا غير- وقد يحتاج القارئ إلى قراءة مسترسلة بلا تقطّعات.
أن نضع نقطة نهائيّة لقصيدة هو بمثابة حدّ لذاك السّفر النفسيّ اللذيذ والعميق، نقطة الشعر عمياء إذا ما أبيح لنا استعارة عنوان لكتاب ' جون-ايف جيرار' Jean-Yves Girard الباحث الفرنسي في مجال المنطق Le point aveugle'، وما النقطة العمياء سوى تلك التي سقطت في سهو الكاتب ورغما عنه، ألا تكون نقطة نهاية القصيدة؟ هي ليست بالنقطة السّهلة ولا بالواضحة التي قد تساوي اسدال الستار في مسرحيّة ما، ولا هي نوع من الانفراج الذي نجده في التراجيديات أوحتى في الكتابات الرّوائيّة والقصصية. هي نقطة ملعونة - نكاد نقول - وغير محببة بل قل مشكوكاً في أمرها دائما. سنجد قصائد عديدة بلا نهاية دالّة على فشل أو رفض لذاك الانهاء من هؤلاء الشاعر الفرنسي مالارماي Mallarm' (1842 ـ 1898) الذي ترك قصائد غير تامّة inachev's ضمن سياق التيار الرّمزيّ الشّائع آنذاك، وعديدة هي الكتب التي حامت حول عدم انهاء الشاعر الفرنسي المذكور لقصائده. وضمن السياق نفسه ـ ربّما - كتب الشاعر والكاتب والنّاقد الأرجنتينيّ الشهير خورخي لويس بورخس (القرن العشرين) كتابه الموسوم بـ' كتاب الرّمل' (باللغة الاسبانية) قائلا في مفتتحه 'عدد صفحات هذا الكتاب هو عدد لا نهائيّ، لا وجود لصفحة يمكن اعتبارها الأولى، أو لصفحة يمكن اعتبارها الأخيرة'.
النقطة تعظم بعظمة العمل، ويصعب وضعها في تلك الأعمال الكبرى من قبيل الملاحم التي لا تنتهي. تضعف أحيانا وسط الكلام فنقول ' نقطة إلى السطر'، أو 'انتهى'. وهي تعبير ضئيل عن النهاية في نهاية المطاف، دعونا نقتسم مرارة كلمة سارتر القائلة: 'الأيّام تنضاف إلى الأيام بلا نقطة وبلا قافية'!